فصل: من أقوال المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والقرو: القصد والتتبع كالاقتراء والاستقراء والطعن وهو واضح في الجمع، والقرو: حوض طويل ترده الإبل، وعبارة القزاز: شبه حوض ممدود مستطيل إلى جنب الحوض، يفرغ منه في الحوض الأعظم، ترده الإبل والغنم، وكذا إن كان من خشب.
والقرو: الأرض لا تكاد تقطع- كأنها حمت اجتماع أجزائها عن أن يفرقها أحد، والقرو: مسيل المعصرة ومثعبها- لاجتماع ما يسيل فيه، وأسفل النخلة ينقر فينتبذ فيه أو يتخذ منه المركن والإجانة للشرب، وقدح أو إناء صغير، وميلغة الكلب، وحق عليه طبق، ومنقع الماء، والعرب تقول: أصبحت الأرض قروًا واحدًا- إذا كثر الخصب والمطر، وكل ذلك واضح في الجمع، وأن يعظم جلد البيضتين لريح أو ماء، أو نزول الأمعاء كالقروة، وذلك إما لشبههما بالقدح أو لجمعهما ما أوجب كبرهما، وقرّى كفعلى: ماء بالبادية- لجمعه الناس، والقرى: القرع يؤكل- لأنه صالح لأن يجعل إناء، والقرا: الظهر- لجمعه الأعضاء، وناقة قرواء: طويلة السنام، والمقروري: الطويل الظهر، وأقرى: اشتكى- إما أن يكون من شكاية القرا، وإما أن يكون للسلب، أي أزال اجتماع همه وعزمه، والقرواء: العادة- لجمعها أهلها، والدبر- لجمعها ما فيها، وأقرى: طلب القرى، ولزم القرى، وأقرى الجل على الفرس: ألزمه، والمقاري: رؤوس الإكام- لأنها تجمع، وتركتهم قروًا واحدًا على طريقة واحدّة- أي مجتمعين وشاة مقروة: جعل رأسها في خشبة لئلا ترضع نفسها- أي جمع فكاها، وقروة الرأس: طرفه، وعبارة القزاز: وقروان الرأس وقروة الرأس: أعلاه- كأنه مجتمع أمره لأنه موضع المفكرة، وقروة الأنف: طرفه- لأنه آخر جامع لجماله، واستقرى الدمل: صارت فيه المدة- أي اجتمعت، والقيروان: معظم العسكر ومعظم القافلة- وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية المادة في {بورقكم هذه} في [الكهف: 19].
ولما كانوا ربما ادعوا السمع والفهم فشككوا بعض من لم يرسخ إيمانه-، أتبعه تعالى ما يؤكد ما مضى ويثبت السامعين فيه فقال تعالى على طريقة الجواب مهددًا ودالًا على أن مداركهم معروفة: {نحن أعلم} أي من كل عالم {بما يستمعون} أي يبالغون في الإصغاء والميل لقصد السمع {به} من الآذان والقلوب، أو بسببه من إرادة الوقوع على سقطة يجعلونها موضع تكذيبهم واستهزائهم {إذ} أي حين {يستمعون} أي يصغون بجهدهم، وبين بعدهم المعنوي بقوله تعالى: {إليك وإذ} أي وحين {هم} ذوو {نجوى} أي يتناجون بأن يرفع كل منهم سره على صاحبه بعد إعراضهم عن الاستماع: ثم ذكر ظرف النجوى فقال تعالى: {إذ يقول} مبرزًا لضميرهم بالوصف الدال على حملهم على ما تناجوا به، وهم {الظالمون} ومقولهم: {إن تتبعون} أي أيها التابعون له بغاية جهدكم {إلا رجلًا مسحورًا} مختلط العقل، فامتطوا في هذا الوصف ذروة الظلم، وسيأتي في آخر السورة سر استعمال اسم المفعول موضع اسم الفاعل؛ ثم وصل بذلك الدليل على نسبته سبحانه لهم إلى الجهل الذي كان نتيجة قولهم هذا فقال تعالى: {انظر} ولما كان أمرهم بما يزيد العجب منه وتتوفر الدواعي على السؤال عنه قال تعالى: {كيف ضربوا} أي هؤلاء الضلال {لك الأمثال} التي هي أبعد شيء عن صفتك من قولهم: ساحر وشاعر ومجنون ونحوه {فضلوا} عن الحق في جميع ذلك {فلا} أي فتسبب عن ضلالهم أنهم لا {يستطيعون سبيلًا} أي يسلكون فيه، إلى إصابة المحن في مثل، أو إحكام الأمر في عمل، وهذا بعد أن نهاهم الله بقوله تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النحل: 74] فكأن هذا أول دليل على ما وصفناهم به من عدم الفهم والسمع فضلًا عن أن يكون لهم إلى مقاومة هذا القرآن- الذي يدعون أنه قول البشر- سبيل أو يغبروا في وجهه بشبهة فضلًا عن دليل.
ولما جرت عادة القرآن بإثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وقدم الدلالة على الأولين، وختم بإثبات جهلهم في النبوة مع ظهورها، أتبع ذلك أمرًا جليًا في ضلالهم عن السبيل في أمر المعاد وقرره غاية التقرير، وحرره أتم تحرير، فقال تعالى معجبًا منهم: {وقالوا} أي المشركون المنكرون للتوحيد والنبوة والبعث مع اعترافهم بأنا ابتدأنا خلقهم ومشاهدتهم في كل وقت أنا نحيي الأرض بعد موتها: {أإذا} استفهامًا إنكاريًا كأنهم على ثقة من عدم ما ينكرونه، والعامل في {إذا} فعل من لفظ {مبعوثون} لا هو.
فإن ما بعد {إن} لا يعمل فيما قبلها. فالمعنى: أنبعث إذا {كنا} أي بجملة أجسامنا كونًا لازمًا {عظامًا ورفاتًا} أي حطامًا مكسرًا مفتتًا وغبارًا {إنا لمبعوثون} حال كوننا مخلوقين {خلقًا جديدًا} فكأنه قيل: فماذا يقال لهم في الجواب؟ فقيل: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50)}. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45)}.
اعلم أنه تعالى لما تكلم في الآية المتقدمة في المسائل الإلهية تكلم في هذه الآية فيما يتعلق بتقرير النبوة.
وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى:
في قوله: {وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان} قولان:
القول الأول: أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على الناس.
روي أنه عليه الصلاة والسلام كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه رجلان، وعن يساره آخران من ولد قصي يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار، وعن أسماء أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسًا ومعه أبو بكر إذ أقبلت امرأة أبي لهب ومعها فهر تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول:
مذممًا أتينا ** ودينه قلينا

وأمره عصينا

فقال أبو بكر: يا رسول الله معها فهر أخشاها عليك، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فجاءت فما رأت رسول الله عليه الصلاة والسلام وقالت: إن قريشًا قد علمت أني ابنة سيدها وأن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك.
وروى ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون إلى حديثه، فقال النضر يومًا: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحرك بشيء.
وقال أبو سفيان: أني لأرى بعض ما يقوله حقًا، وقال أبو جهل: هو مجنون.
وقال أبو لهب هو كاهن.
وقال حويطب بن عبد العزى هو شاعر، فنزلت هذه الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن قرأ قبلها ثلاثة آيات وهي قوله في سورة الكهف: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} [الكهف: 57] وفي النحل: {أُولَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ} [النحل: 108] وفي حم الجاثية: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} [الجاثية: 23] إلى آخر الآية فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين، وهو المراد من قوله تعالى: {جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا} وفيه سؤال: وهو أنه كان يجب أن يقال حجابًا ساترًا.
والجواب عنه من وجوه:
الوجه الأول:
أن ذلك الحجاب حجاب يخلقه الله تعالى في عيونهم بحيث يمنعهم ذلك الحجاب عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الحجاب شيء لا يراه فكان مستورًا من هذا الوجه، احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في أنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة ويكون المرئي حاضرًا مع أنه لا يراه ذلك الإنسان لأجل أن الله تعالى خلق في عينيه مانعًا يمنعه عن رؤيته بهذه الآية قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضرًا وكانت حواس الكفار سليمة، ثم إنهم ما كانوا يرونه، وأخبر الله تعالى أن ذلك إنما كان لأجل أنه جعل بينه وبينهم حجابًا مستورًا، والحجاب المستور لا معنى له إلا المعنى الذي خلقه الله تعالى في عيونهم، وكان ذلك المعنى مانعًا لهم من أن يروه ويبصروه.
والوجه الثاني:
في الجواب أنه كما يجوز أن يقال لابن وتامر بمعنى ذو لبن وذو تمر فكذلك لا يبعد أن يقال مستورًا معناه ذو ستر والدليل عليه قوله مرطوب أي ذو رطوبة ولا يقال رطيبة ويقال مكان مهول أي فيه هول ولا يقال: هلت المكان بمعنى جعلت فيه الهول، ويقال: جارية مغنوجة ذات غنج ولا يقال غنجتها.
والوجه الثالث:
في الجواب قال الأخفش: المستور ههنا بمعنى الساتر، فإن الفاعل قد يجيء بلفظ المفعول كما يقال: إنك لمشؤم علينا وميمون وإنما هو شائم ويامن، لأنه من قولهم شأمهم ويمنهم، هذا قول الأخفش: وتابعه عليه قوم، إلا أن كثيرًا منهم طعن في هذا القول، والحق هو الجواب الأول.
القول الثاني: أن معنى الحجاب الطبع الذي على قلوبهم والطبع والمنع الذي منعهم عن أن يدركوا لطائف القرآن ومحاسنه وفوائده، فالمراد من الحجاب المستور ذلك الطبع الذي خلقه الله في قلوبهم.
ثم قال تعالى: {وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ءاذَانِهِمْ وَقْرًا} وهذه الآية مذكورة بعينها في سورة الأنعام وذكرنا استدلال أصحابنا بها وذكرنا سؤالات المعتزلة ولا بأس بإعادة بعضها قال الأصحاب: دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل قلوبهم في الأكنة. والأكنة جمع كنان وهو ما ستر الشيء مثل كنان النبل وقوله: {أَن يَفْقَهُوهُ} أي لئلا يفقهوه. وجعل في آذانهم وقرًا.
ومعلوم أنهم كانوا عقلاء سامعين فاهمين، فعلمنا أن المراد منعهم عن الإيمان ومنعهم عن سماع القرآن بحيث لا يقفون على أسراره ولا يفهمون دقائقه وحقائقه. قالت المعتزلة: ليس المراد من الآية ما ذكرتم بل المراد منه وجوه أخرى.
الأول: قال الجبائي: كانوا يطلبون موضعه في الليالي لينتهوا إليه ويؤذونه، ويستدلون على مبيته باستماع قراءته فأمنه الله تعالى من شرهم، وذكر له أنه جعل بينه وبينهم حجابًا لا يمكنهم الوصول إليه معه، وبين أنه جعل في قلوبهم ما يشغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما يمنع من سماع صوته، ويجوز أن يكون ذلك مرضًا شاغلًا يمنعهم من المصير إليه والتفرغ له، لا أنه حصل هناك كن للقلب ووقر في الأذن.
الثاني: قال الكعبي: إن القوم لشدة امتناعهم عن قبول دلائل محمد صلى الله عليه وسلم صاروا كأنه حصل بينهم وبين تلك الدلائل حجاب مانع وساتر، وإنما نسب الله تعالى ذلك الحجاب إلى نفسه لأنه لما خلاهم مع أنفسهم، وما منعهم عن ذلك الإعراض صارت تلك التخلية كأنها هي السبب لوقوعهم في تلك الحالة، وهذا مثل أن السيد إذا لم يراقب أحوال عبده فإذا ساءت سيرته فالسيد يقول: أنا الذي ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك مع رأيك وما راقبت أحوالك.
الثالث: قال القفال: إنه تعالى لما خذلهم بمعنى أنه لم يفعل الألطاف الداعية لهم إلى الإيمان صح أن يقال: إنه فعل الحجاب السائر.
واعلم أن هذه الوجوه مع كلمات أخرى ذكرناها في سورة الأنعام وأجبنا عنها، فلا فائدة في الإعادة.
ثم قال تعالى: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفورا} واعلم أن المراد أن القوم كانوا عند استماع القرآن على حالتين، لأنهم إذا سمعوا من القرآن ما ليس فيه ذكر الله تعالى بقوا مبهوتين متحيرين لا يفهمون منه شيئًا، وإذا سمعوا آية فيها ذكر الله تعالى وذم الشرك بالله ولوا نفورًا وتركوا ذلك المجلس، وذكر الزجاج في قوله: {وَلَّوْاْ على أدبارهم نُفُورًا} وجهين: الأول: المصدر والمعنى ولوا نافرين نفورا، والثاني: أن يكون نفورًا جمع نافر مثل شهود وشاهد وركوع وراكع وسجود وساجد وقعود وقاعد.
ثم قال تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} أي نحن أعلم بالوجه الذي يستمعون به وهو الهزؤ والتكذيب. و{بِهِ} في موضع الحال، كما تقول: مستمعين بالهزؤ و{إِذْ يَسْتَمِعُونَ} نصب بأعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون {وَإِذَا هُمْ نجوى} أي وبما يتناجون به إذ هم ذو نجوى: {إِذْ يَقُولُ الظالمون} بدل من قوله: {وَإِذْ هُمْ نجوى} {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا} وفيه مباحث:
الأول:
قال المفسرون: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا أن يتخذ طعامًا ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين، ففعل علي عليه السلام ذلك ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد وقال: قولوا لا إله إلا الله حتى تطيعكم العرب وتدين لكم العجم فأبوا عليه ذلك، وكانوا عند استماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والدعوة إلى الله تعالى يقولون: بينهم متناجين هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول، فأخبر الله تعالى نبيه بأنهم يقولون: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا}.
فإن قيل: إنهم لم يتبعوا رسول الله فكيف يصح أن يقولوا: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا}.
قلنا: معناه أنكم إن اتبعتموه فقد اتبعتم رجلًا مسحورًا، والمسحور الذي قد سحر فاختلط عليه عقله وزال عن حد الاستواء.
هذا هو القول الصحيح، وقال بعضهم: المسحور هو الذي أفسد.
يقال: طعام مسحور إذا أفسد عمله وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها.
قال أبو عبيدة: يريد بشرًا ذا سحر أي ذا رئة.